في هذا المقال
تقنية الذكاء الاصطناعي والرأي العام

الخوارزميات وصناعة الرأي العام.. كيف توجه التكنولوجيا أفكارنا دون أن نشعر؟
1. التطور المتسارع للتكنولوجيا والمسؤولية الأخلاقية
أصبحت الخوارزميات جزءًا أساسيًا من الحياة الرقمية، فهي تعمل خلف تطبيقات التواصل الاجتماعي ومحركات البحث ومنصات مشاهدة الفيديو، وتحدد بدرجات مختلفة المحتوى الذي يظهر للمستخدمين. فعندما يشاهد شخص عدة مقاطع عن موضوع معين، قد تبدأ المنصة في اقتراح مقاطع مشابهة اعتمادًا على سجل المشاهدة والتفاعل. ولا يقتصر تأثير هذه التقنية على تسهيل الوصول إلى المعلومات، بل يمتد إلى ترتيب أولويات المستخدم واهتماماته. وهنا تظهر المسؤولية الأخلاقية لشركات التكنولوجيا، التي ينبغي أن توازن بين تطوير الخدمات وحماية خصوصية الأفراد وحقهم في الوصول إلى معلومات متنوعة.
2. خوارزميات التوصية وظاهرة غرف الصدى
تعتمد منصات التواصل على أنظمة توصية تحلل سلوك المستخدم، مثل الإعجابات والمشاركات ومدة مشاهدة الفيديوهات والحسابات التي يتابعها. وقد يؤدي ذلك إلى تكرار عرض محتوى متشابه، وهو ما يرتبط بظاهرة تُعرف باسم «غرف الصدى»، حيث يتعرض الشخص بدرجة أكبر لآراء قريبة من أفكاره. وتقدم دراسة منشورة في مجلة Nature عام 2023 مثالًا مهمًا؛ إذ حللت بيانات مستخدمي فيسبوك النشطين البالغين في الولايات المتحدة خلال عام 2020، ووجدت أن المحتوى القادم من مصادر متوافقة سياسيًا مع المستخدمين شكّل غالبية ما شاهدوه، مع الإشارة إلى أن الأخبار والمعلومات السياسية نفسها كانت تمثل نسبة صغيرة من إجمالي المحتوى. وتوضح هذه النتيجة أهمية دراسة طريقة توزيع المعلومات دون افتراض أن جميع المستخدمين يعيشون داخل فقاعات مغلقة.
3. تأثير ترتيب المحتوى في الاهتمامات والسلوك
لا تحتاج الخوارزميات إلى إجبار المستخدم على مشاهدة محتوى معين حتى تؤثر في اختياراته؛ فقد يكفي أن تضع موضوعًا في مقدمة الصفحة، أو تقترح فيديو بعد انتهاء المقطع السابق، أو ترسل إشعارًا متعلقًا باهتماماته. فعلى سبيل المثال، إذا بحث المستخدم عن موضوع تعليمي، فقد تظهر له سلسلة من الفيديوهات المقترحة المرتبطة به، بينما قد يؤدي التفاعل المستمر مع محتوى ترفيهي إلى زيادة ظهوره في الصفحة الرئيسية. وقد تناولت دراسة منشورة في دورية PNAS عام 2024 أثر تعديل توصيات يوتيوب، واستخدمت تجربة شملت 8,600 حساب تجريبي و2,142 مستخدمًا متكررًا، ووجدت أن توجيه التوصيات نحو مصادر إخبارية موثوقة ومتنوعة زاد التعرض لهذا النوع من المحتوى. وهذا يوضح أن تصميم الخوارزمية يمكن أن يؤثر في نوعية المعلومات التي تصل إلى الجمهور.
4. المحتوى المضلل والذكاء الاصطناعي التوليدي
أضاف الذكاء الاصطناعي التوليدي تحديًا جديدًا إلى البيئة الإعلامية، بعدما أصبح بالإمكان إنتاج نصوص وصور وأصوات ومقاطع فيديو مصطنعة تبدو مقنعة للوهلة الأولى. ومن الأمثلة على ذلك إنشاء تسجيل صوتي مزيف ينسب إلى شخصية عامة تصريحًا لم تقله، أو نشر صورة مصطنعة لحدث لم يقع أصلًا. وعندما يُعاد تداول هذه المواد عبر حسابات متعددة، قد يختلط الأمر على الجمهور بين المحتوى الحقيقي والمزيف. وتزداد المشكلة عندما تُنشر هذه المواد دون توضيح أنها مولدة بالذكاء الاصطناعي. لذلك ينبغي التأكد من المصدر الأصلي، ومراجعة تاريخ النشر، والبحث عن تغطية مستقلة للحدث قبل مشاركة المحتوى أو بناء موقف عليه.
5. الحوكمة الرقمية والشفافية الخوارزمية
لم تعد شفافية الخوارزميات مجرد مطلب نظري، بل أصبحت موضوعًا للتنظيم القانوني في بعض الدول. ومن الأمثلة الواضحة قانون الخدمات الرقمية الأوروبي (Digital Services Act)، الذي يفرض على المنصات المشمولة به توضيح المعايير الرئيسية التي تعتمد عليها أنظمة التوصية، وبيان سبب اقتراح محتوى معين للمستخدم. كما يمنح التنظيم المستخدمين في حالات محددة خيارات للتحكم في طريقة ترتيب المحتوى، وتفرض أحكامه متطلبات إضافية على المنصات الكبيرة جدًا. وتكمن أهمية هذه الإجراءات في تمكين المستخدم من فهم أسباب ظهور المعلومات أمامه، بدلًا من التعامل مع الخوارزمية باعتبارها نظامًا غامضًا لا يمكن مساءلته.
6. المسؤولية المشتركة بين المؤسسات والشركات
لا يمكن مواجهة تحديات الخوارزميات من خلال المستخدم وحده، بل تتطلب المسألة تعاونًا بين شركات التكنولوجيا والمؤسسات الإعلامية والجامعات والجهات التنظيمية. فعلى شركات التكنولوجيا إجراء اختبارات دورية لأنظمة التوصية للكشف عن التحيزات والأخطاء، وتوضيح سياسات الإعلانات والمحتوى المقترح. أما المؤسسات الإعلامية، فعليها الالتزام بالتحقق من الأخبار قبل نشرها، وتوضيح الفرق بين المعلومات المؤكدة والتقارير الأولية. وفي هذا السياق، نشرت منظمة اليونسكو عام 2023 إرشادات لحوكمة المنصات الرقمية، ركزت على الشفافية والمساءلة واحترام حرية التعبير وحق الجمهور في الوصول إلى المعلومات. وتؤكد هذه التوجهات أن حماية البيئة الرقمية مسؤولية مشتركة وليست مهمة جهة واحدة.
7. التربية الإعلامية وحماية استقلالية التفكير
يظل وعي المستخدم أحد أهم وسائل التعامل مع تأثير الخوارزميات؛ فبدلًا من الاكتفاء بالمحتوى الذي تقترحه المنصة، يمكن اتباع خطوات عملية تساعد على تنويع مصادر المعرفة. ومن ذلك متابعة مؤسسات إخبارية مختلفة، والبحث عن وجهات نظر متعددة عند دراسة قضية عامة، ومراجعة المصادر الأصلية للتقارير، وعدم اعتبار عدد المشاهدات أو الإعجابات دليلًا على صحة المعلومة. كما يمكن الاستفادة من خيارات التحكم في التوصيات المتاحة داخل بعض المنصات، والتمييز بين المحتوى الإعلاني والتحريري. إن التربية الإعلامية لا تعني رفض التكنولوجيا، بل فهم طريقة عملها واستخدامها بوعي، حتى تظل القرارات والأفكار قائمة على المعرفة والتحليل المستقل، لا على التكرار والتوجيه غير الواعي.
تابع جديد Dr. Moody
اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.
الإبلاغ عن المقال
لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.
تعذّر إرسال البلاغ الآن. حاول مرة أخرى لاحقًا.
سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش
التعليقات (0)
فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق