عصر "اللايك" هل اصبحنا نعيش من أجل الآخرين ؟
سجن الأرقام: كيف سيطرت مواقع التواصل الاجتماعي على العقل البشري؟
تعد مواقع التواصل الاجتماعي الظاهرة الأكثر تأثيرًا في القرن الحادي والعشرين، حيث تحولت من مجرد أدوات للربط بين الناس إلى بيئات رقمية متكاملة تستهلك ساعات طويلة من يومنا. ومع أنها تمنحنا شعورًا وهميًا بالاتصال، إلا أنها في الحقيقة بدأت تفرض سيطرة غير مسبوقة على كيمياء الدماغ البشري وطريقة تفكيرنا، مما جعل التساؤل حول مدى حريتنا في اتخاذ قراراتنا أمرًا ملحًا.
خوارزميات التلاعب وتصميم الإدمان
لا تعمل منصات التواصل الاجتماعي بشكل عشوائي، بل تعتمد على خوارزميات معقدة مصممة خصيصًا لتحفيز إفراز مادة "الدوبامين" في الدماغ. في كل مرة يتلقى فيها المستخدم إشعارًا أو إعجابًا، يشعر بنشوة مؤقتة تدفعه للعودة مرارًا وتكرارًا. هذا التصميم ليس بمحض الصدفة، بل هو استغلال لنقاط الضعف النفسية لدى البشر لضمان بقائهم أطول فترة ممكنة داخل التطبيق، مما يحول المستخدم من مستفيد إلى منتج يتم استهلاك وقته وانتباهه.
هل أصبحنا نعيش في "عصر اللايك"؟
لقد انتقلنا بالفعل إلى ما يمكن تسميته "عصر اللايك"، حيث أصبحت قيمة الفرد وقوة أفكاره تُقاس بعدد التفاعلات الرقمية التي يحصدها. هذا الهوس بالقبول الاجتماعي الافتراضي أدى إلى تآكل الثقة بالنفس لدى الكثيرين، خاصة المراهقين، الذين باتوا يربطون قيمتهم الذاتية بمدى انتشار صورهم ومنشوراتهم. إننا نعيش في سباق دائم نحو الكمال الزائف، حيث يتم تجميل الواقع عبر الفلاتر واللقطات المنتقاة بعناية، مما يخلق فجوة كبيرة بين "الذات الحقيقية" و"الذات الرقمية".

العزلة الاجتماعية في ثوب التواصل
من المفارقات العجيبة أن زيادة "التواصل" الافتراضي أدت إلى زيادة الشعور بالوحدة والعزلة في الواقع. فبدلاً من اللقاءات الإنسانية العميقة التي تعتمد على لغة الجسد ونبرة الصوت، أصبحنا نكتفي بنصوص جافة ورموز تعبيرية. هذا النوع من التواصل السطحي يضعف المهارات الاجتماعية ويقلل من قدرة الإنسان على التعاطف الحقيقي مع الآخرين، حيث يصبح الجميع مجرد صور على شاشة وليسوا بشرًا بمشاعر وتجارب واقعية.
تشتت الانتباه وضعف القدرات الذهنية
أثبتت العديد من الدراسات أن التمرير اللانهائي (Infinite Scrolling) يؤدي إلى تشتت الانتباه وضعف التركيز العميق. العقل البشري لم يعد معتادًا على قراءة المقالات الطويلة أو التفكير في القضايا المعقدة، بل أصبح يميل إلى "المحتوى السريع" الذي لا يتجاوز ثوانٍ معدودة. هذا التغيير في بنية التفكير يقلل من القدرة على التحليل النقدي، ويجعل الإنسان أكثر عرضة لتصديق الإشاعات والأخبار المضللة التي تنتشر كالنار في الهشيم على هذه المنصات.
نحو استعادة السيطرة الرقمية
في الختام، لا يمكننا إنكار فوائد التكنولوجيا، لكن السيطرة على العقل البشري من قبل مواقع التواصل أصبحت خطرًا لا يمكن تجاهله. استعادة السيطرة تبدأ بـ "الوعي الرقمي"، أي إدراك كيف تحاول هذه المنصات التلاعب بنا. يجب علينا وضع حدود زمنية لاستخدام الهواتف، والعودة إلى ممارسة الهوايات الواقعية، وبناء علاقات إنسانية تتجاوز شاشات الزجاج، لنضمن أننا نحن من نتحكم في التكنولوجيا وليس العكس.