اقتصاد الانتباه: كيف تسرق مواقع التواصل عقولنا دون أن نشعر؟

اقتصاد الانتباه: كيف تسرق مواقع التواصل عقولنا دون أن نشعر؟
لم تعد مواقع التواصل الاجتماعي مجرد وسيلة للتواصل أو مشاركة الصور، بل أصبحت جزءًا من منظومة اقتصادية عالمية تُعرف باسم “اقتصاد الانتباه”. في هذا الاقتصاد، لا يكون المنتج هو التطبيق ذاته، بل يكون المستخدم ووقته وتركيزه. فكل دقيقة تقضيها في التمرير بين المنشورات على Instagram أو مشاهدة مقاطع قصيرة على TikTok أو تصفح الأخبار على Facebook تتحول إلى بيانات، وهذه البيانات تتحول بدورها إلى أرباح إعلانية.
تعتمد هذه المنصات على خوارزميات ذكية مصممة لإبقاء المستخدم أطول فترة ممكنة داخل التطبيق. فهي تدرس سلوكك: ماذا تحب؟ كم ثانية تشاهد الفيديو؟ ما نوع المحتوى الذي تتفاعل معه؟ ثم تعيد تقديم محتوى مشابه بشكل متتابع. هذه العملية لا تتم عشوائيًا، بل تستند إلى علم النفس السلوكي، حيث يتم تحفيز الدماغ عبر نظام المكافأة المرتبط بإفراز الدوبامين، وهو الناقل العصبي المسؤول عن الشعور بالمتعة والتحفيز. لذلك نشعر برغبة لا واعية في الاستمرار في التصفح حتى دون هدف واضح.
من الناحية النفسية، تعتمد هذه المنصات على مبدأ المكافأة المتقطعة، وهو نفس المبدأ المستخدم في ألعاب الحظ. فأنت لا تعرف متى سيظهر لك محتوى مثير أو ممتع، لذلك تستمر في التمرير بحثًا عن “اللحظة الممتعة التالية”. هذا الأسلوب يحفز إفراز الدوبامين في الدماغ، مما يخلق شعورًا مؤقتًا بالمتعة يدفعك للعودة مرة بعد مرة، حتى دون وجود هدف حقيقي.
ومع مرور الوقت، يبدأ التأثير الأعمق في الظهور. تتراجع القدرة على التركيز لفترات طويلة، ويصبح العقل معتادًا على المعلومات السريعة والمختصرة. القراءة العميقة تصبح أكثر صعوبة، والملل يظهر بسرعة عند أي نشاط يتطلب صبرًا. وهنا لا يكون التأثير مجرد عادة سيئة، بل تحولًا تدريجيًا في نمط التفكير ذاته
المشكلة لا تكمن في الاستخدام ذاته، بل في فقدان السيطرة. فمع الوقت، يتراجع متوسط مدة التركيز لدى الأفراد، ويصبح العقل معتادًا على المحتوى السريع والمختصر، مما يؤثر على القدرة على القراءة العميقة أو التفكير التحليلي الطويل. وهنا يظهر تأثير خفي لكنه عميق: إعادة تشكيل طريقة تفكير الإنسان.
ومن زاوية أخرى، خلقت هذه المنصات معيارًا جديدًا للنجاح قائمًا على الأرقام: عدد المتابعين، الإعجابات، المشاهدات. هذا التحول جعل التقدير الذاتي لدى البعض مرتبطًا بمؤشرات رقمية قد تكون مضللة. كما أدى إلى انتشار ثقافة المقارنة المستمرة، حيث يقارن الفرد حياته الواقعية بلحظات منتقاة ومعدلة من حياة الآخرين.
لكن الصورة ليست قاتمة بالكامل. فهذه المنصات نفسها وفرت فرصًا غير مسبوقة لصناعة المحتوى والتعليم والتسويق الشخصي. أصبح بإمكان طالب أن يتعلم مهارة جديدة مجانًا، أو شاب أن يبدأ مشروعًا تجاريًا دون رأس مال كبير. المشكلة إذن ليست في الأداة، بل في طريقة إدارتها.
الحل يبدأ بالوعي. أن تدرك أن وقتك هو رأس مالك الحقيقي، وأن كل دقيقة تقضيها بلا هدف هي استثمار لصالح جهة أخرى. يمكن استعادة السيطرة عبر تحديد أوقات محددة للاستخدام، وإيقاف الإشعارات غير الضرورية، واختيار محتوى يخدم أهدافك بدلًا من أن يسرق طاقتك.
في النهاية، مواقع التواصل الاجتماعي ليست مجرد تطبيقات ترفيهية؛ إنها بيئة تنافس على انتباهك. والسؤال الحقيقي ليس: كم ساعة تقضي عليها؟ بل: هل أنت من يستخدمها، أم هي من تستخدمك؟