في هذا المقال
التفاعل الافتراضي: عندما يتجلى المزيف في الحقيقي والحقيقي في المزيف…!
لم تعد مواقع التواصل الاجتماعي مجرد فضاءات للتواصل وتبادل المعلومات، بل تحولت إلى مسارح رقمية يعيد فيها الأفراد تشكيل ذواتهم وصناعة صورهم أمام الآخرين، وفي خضم هذا التحول، تبرز مفارقة تستحق التأمل: قد يكون الحساب الحقيقي لصاحبه أكثر زيفا في التعبير عن شخصيته، بينما يصبح الحساب المزيف أكثر صدقا في الكشف عن ذاته، إنها مفارقة تتجاوز ثنائية الحقيقي والوهمي، لتضعنا أمام سؤال جوهري: هل تكشف الهوية الرقمية عن حقيقة الإنسان، أم أنها مجرد قناع آخر يرتديه لإدارة حضوره الاجتماعي؟
في الحسابات التي تحمل الأسماء والصور والبيانات الحقيقية، لا يظهر الفرد بالضرورة كما هو، بل كما يريد للآخرين أن يروه، فهو ينتقي كلماته، ويراقب تعليقاته، ويضبط مواقفه، ويعيد صياغة أفكاره بما يتلاءم مع مكانته الاجتماعية وعلاقاته المهنية والعائلية، فضلًا عن الصورة التي يسعى إلى المحافظة عليها. وهكذا تتحول الهوية الحقيقية إلى واجهة لإنتاج انطباع اجتماعي مقصود، حيث لا يكون الهدف دائما التعبير عن الذات، بقدر ما يكون الحفاظ على صورتها المقبولة لدى الجمهور، وبذلك قد يصبح الحساب حقيقيًا من حيث الهوية، لكنه انتقائي ومقنّع من حيث الشخصية.
على النقيض من ذلك، توفر الحسابات المستعارة أو الوهمية مساحة مختلفة للتعبير، إذ يتحرر الفرد نسبيا من ثقل اسمه ومكانته وشبكة علاقاته الواقعية،هو شيففي غياب الرقابة المباشرة للأشخاص الذين يعرفونه، قد يعبّر عن أفكار كان يتجنب إعلانها، ويكشف عن مواقف يخشى تبعاتها الاجتماعية، ويتحدث بلغة أكثر عفوية وجرأة، هنا تتشكل مفارقة لافتة: الهوية مزيفة، لكن التعبير قد يكون حقيقيا؛ والصورة غير مطابقة للواقع، لكنها ربما تكون أقرب إلى العالم الداخلي لصاحبها. فالتخفّي، في بعض الحالات، لا يعني الهروب من الذات، بل الهروب من القيود التي تمنع إظهارها.
من هذا المنطلق، يمكن فهم ما نسميه «براغماتية التخفّي» باعتباره استراتيجية اتصالية يوظفها الفرد لإدارة هويته الرقمية وفقًا لمصالحه وسياقاته المختلفة. فهو لا يستخدم بالضرورة الحساب نفسه للتعبير عن جميع جوانب شخصيته، بل قد يخصص حسابًا لبناء صورته الاجتماعية والمهنية، وآخر للتعبير عن آرائه ومشاعره وتصوراته بعيدًا عن أعين المحيطين به. إنه شكل من أشكال التكيف مع تعدد الجماهير واختلاف توقعاتها، حيث تصبح الهوية الرقمية أداة وظيفية قابلة للتشكيل والتعديل، وليست مجرد انعكاس ثابت للهوية الواقعية. ومن ثم، لا يكون التخفّي دائما فعلا عشوائيًا، بل قد يتحول إلى اختيار واع تحكمه اعتبارات اجتماعية ونفسية واتصالية.
وتزداد هذه المفارقة تعقيدًا حين نستحضر مفهوم القناع الاجتماعي؛ فالإنسان في حياته اليومية لا يقدم ذاته دائمًا بصورة واحدة، بل يغير طريقة ظهوره تبعًا للمكان والأشخاص والمواقف، وما تفعله مواقع التواصل الاجتماعي هو توسيع هذه الإمكانية ومنحها أدوات رقمية أكثر تنوعا، فالحساب الحقيقي قد يكون قناعًا مصممًا بعناية لإرضاء الجمهور، بينما يتحول الحساب المستعار إلى مساحة لإظهار جوانب مستبعدة من الشخصية. لكن ذلك لا يعني أن الشخصية التي تظهر خلف الحساب الوهمي هي الحقيقة المطلقة للفرد؛ فقد تكون بدورها شخصية انتقائية أو مصطنعة أو حتى متخيلة، فالأقنعة لا تختفي بمجرد تغيير الهوية، وإنما تتغير أشكالها ووظائفها.
إن الإشكال الأعمق هنا لا يتعلق بكون الحساب حقيقيًا أو مزيفًا، وإنما بطبيعة العلاقة بين الهوية والتعبير، وبين الصورة الاجتماعية والذات الفردية، فالمصداقية لا تُقاس دائمًا بالاسم الحقيقي أو الصورة الشخصية، كما أن التخفي لا يمثل بالضرورة دليلًا على الخداع، فقد يكون صاحب الحساب الحقيقي أكثر حرصًا على صناعة انطباع مضلل، وقد يكون صاحب الحساب المستعار أكثر تعبيرًا عن قناعاته الفعلية. ومع ذلك، ينبغي عدم الوقوع في تعميم معاكس؛ فالحسابات الوهمية قد تتحول أيضًا إلى أدوات للتضليل والتلاعب وانتحال الشخصيات. لذلك تظل المسافة بين الحقيقة والزيف مرتبطة بمضمون الخطاب ودوافع صاحبه، لا بالهوية الرقمية وحدها.
في النهاية، تكشف هذه المفارقة عن تحول عميق في معنى الحضور الإنساني داخل الفضاء الرقمي؛ فلم يعد السؤال فقط: من أنت؟ بل أصبح: أي نسخة منك تريد أن يراها الآخرون؟ وربما تكمن المفارقة الأكثر إثارة في أن الإنسان قد يحتاج أحيانا إلى إخفاء هويته حتى يتمكن من إظهار ذاته، بينما يحتاج في أحيان أخرى إلى إظهار هويته الحقيقية حتى يخفي شخصيته الفعلية، وهكذا يتجلى الحقيقي في المزيف، والمزيف في الحقيقي، لتصبح مواقع التواصل الاجتماعي فضاءً تتداخل فيه الأقنعة مع الوجوه، وتتعقد فيه الحدود بين ما نكونه فعلًا وما نختار أن نظهر به أمام الآخرين.

تابع جديد صابر شباط
اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.
الإبلاغ عن المقال
لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.
تعذّر إرسال البلاغ الآن. حاول مرة أخرى لاحقًا.
سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش
التعليقات (0)
فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق