في هذا المقال
ثورة الذكاء الاصطناعي والأتمتة: كيف تُعيد تشكيل مستقبل العمل والإنتاجية؟
لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد تقنية تجريبية تستخدمها شركات التكنولوجيا، بل أصبح أداة تدخل بصورة مباشرة في طريقة كتابة المحتوى، وتحليل البيانات، وخدمة العملاء، وإدارة الاجتماعات، وتطوير البرمجيات واتخاذ القرارات.
والأهم أن تأثير هذه التقنية لم يعد مجرد توقعات مستقبلية؛ فقد بدأت دراسات فعلية داخل بيئات العمل في قياس أثر استخدام الذكاء الاصطناعي على الإنتاجية.
فدراسة أجراها باحثون من المكتب الوطني للبحوث الاقتصادية NBER على 5,179 موظفًا في خدمة العملاء وجدت أن استخدام مساعد قائم على الذكاء الاصطناعي أدى إلى زيادة متوسط الإنتاجية بنحو 14% من حيث عدد المشكلات التي يتم حلها في الساعة، بينما وصلت الزيادة لدى الموظفين الأقل خبرة ومهارة إلى نحو 34%.
وهذه النتائج تفتح سؤالًا مهمًا: كيف يمكن للشركات استخدام الذكاء الاصطناعي والأتمتة بطريقة تحقق نتائج قابلة للقياس، وليس مجرد تجربة أداة جديدة؟
الذكاء الاصطناعي والأتمتة.. ما الفرق بينهما؟
قبل الحديث عن التطبيقات العملية، يجب التمييز بين المصطلحين.
الأتمتة Automation
الأتمتة هي جعل النظام ينفذ مهمة محددة تلقائيًا وفق قواعد وإجراءات تم تحديدها مسبقًا.
على سبيل المثال، يمكن لمتجر إلكتروني إعداد نظام يقوم بالآتي:
طلب جديد → تسجيل الطلب → إرسال رسالة للعميل → تحديث قاعدة البيانات → إرسال إشعار لفريق الشحن.
لا يحتاج الموظف إلى تنفيذ كل خطوة يدويًا.
ومن الأدوات التي يمكن استخدامها لبناء مثل هذه العمليات منصات الأتمتة مثل Microsoft Power Automate وZapier، حيث يمكن ربط تطبيقات وخدمات مختلفة ضمن سير عمل واحد.
الذكاء الاصطناعي AI
الذكاء الاصطناعي يضيف طبقة أكثر مرونة إلى هذه العملية.
فبدلًا من تنفيذ قاعدة ثابتة فقط، يمكن للنظام تحليل النصوص أو البيانات والتعامل مع معلومات لم تكن مكتوبة مسبقًا بصورة حرفية.
على سبيل المثال، إذا أرسل العميل:
"المنتج وصلني لكن المقاس مش مناسب وعايز أبدله."
يمكن لنظام ذكاء اصطناعي تصنيف الرسالة تلقائيًا على أنها طلب استبدال، ثم تمريرها إلى سير عمل الأتمتة المناسب.
وهنا يظهر مفهوم الأتمتة الذكية Intelligent Automation: الذكاء الاصطناعي يفهم المعلومات، بينما الأتمتة تنفذ الإجراءات المطلوبة.
مثال عملي: كيف يمكن لمتجر إلكتروني استخدام الذكاء الاصطناعي؟
لنفترض وجود متجر إلكتروني يستقبل عشرات أو مئات رسائل العملاء يوميًا.
بدلًا من قيام الموظف بقراءة كل رسالة وتحديد نوعها يدويًا، يمكن تصميم نظام مكون من عدة مراحل:
وصول رسالة العميل.
تحليل الرسالة باستخدام نموذج ذكاء اصطناعي.
تحديد نوع الطلب: استبدال، استرجاع، استفسار، شكوى أو متابعة شحن.
تسجيل التصنيف في قاعدة البيانات.
إرسال الطلب إلى القسم المختص.
إنشاء رد أولي مناسب للعميل.
مراجعة الموظف للرد قبل إرساله في الحالات الحساسة.
بهذه الطريقة لا يحل الذكاء الاصطناعي محل الموظف بالكامل، وإنما يقلل الوقت الذي يقضيه في الأعمال المتكررة.
وهناك دليل بحثي مهم على هذا النوع من الاستخدام؛ فقد وجدت دراسة NBER على موظفي خدمة العملاء أن استخدام مساعد ذكاء اصطناعي رفع عدد المشكلات التي يتم حلها في الساعة بنحو 13.8%، مع استفادة أكبر لدى الموظفين الأقل خبرة.
المهم هنا أن نسبة 13.8% ليست وعدًا بأن كل شركة ستشهد نفس الزيادة؛ فالنتيجة جاءت من بيئة عمل محددة وظروف محددة، ولذلك يجب على كل مؤسسة قياس نتائجها بنفسها.
مثال آخر: أتمتة التقارير اليومية
هناك مهمة متكررة في الكثير من الشركات وهي إعداد التقارير.
قد يحتاج الموظف كل صباح إلى:
جمع بيانات المبيعات.
مراجعة الطلبات الجديدة.
مقارنة الأرقام باليوم السابق.
كتابة ملخص.
إرساله إلى المدير.
يمكن تحويل جزء كبير من هذه العملية إلى سير عمل آلي.
مثلًا:
قاعدة البيانات → استخراج البيانات → تحليل الأرقام → إنشاء ملخص → إرسال التقرير.
وفي هذه الحالة يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي في تفسير الأرقام وكتابة الملخص، بينما تتولى أدوات الأتمتة نقل البيانات وتشغيل الخطوات المتكررة.
هل يستخدم الموظفون الذكاء الاصطناعي بالفعل؟
الأرقام تشير إلى انتشار واسع للأدوات الذكية داخل بيئات العمل.
في تقرير Work Trend Index 2024، الذي أعدته Microsoft وLinkedIn اعتمادًا على استطلاع شمل 31 ألف شخص في 31 دولة، أفاد 75% من العاملين في مجال المعرفة بأنهم يستخدمون الذكاء الاصطناعي في العمل. كما وجد التقرير أن 90% من المستخدمين قالوا إن الذكاء الاصطناعي يساعدهم على توفير الوقت، بينما قال 85% إنه يساعدهم على التركيز على الأعمال الأكثر أهمية.
لكن التقرير كشف مشكلة مهمة أيضًا: 39% فقط من مستخدمي الذكاء الاصطناعي في العمل قالوا إنهم حصلوا على تدريب من شركاتهم على استخدامه.
وهذا يعني أن شراء أدوات الذكاء الاصطناعي وحده لا يكفي؛ فالتدريب ووضع قواعد واضحة للاستخدام جزء أساسي من عملية التحول.
ماذا سيحدث للوظائف خلال السنوات القادمة؟
من الخطأ اختزال مستقبل العمل في فكرة أن "الذكاء الاصطناعي سيأخذ الوظائف".
تقرير Future of Jobs 2025 الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي يتوقع أنه بحلول عام 2030 ستؤدي التحولات المختلفة في سوق العمل إلى إنشاء نحو 170 مليون وظيفة، مقابل إزاحة نحو 92 مليون وظيفة، أي صافي زيادة يبلغ حوالي 78 مليون وظيفة. وفي الوقت نفسه، يتوقع التقرير تغير نحو 39% من المهارات المطلوبة في الوظائف الحالية.
واللافت أن الوظائف المرتبطة بالذكاء الاصطناعي والبيانات والتكنولوجيا من بين المجالات المتوقع نموها بسرعة، إلى جانب استمرار أهمية المهارات الإنسانية مثل التفكير الإبداعي والمرونة والتعاون.
إذن القضية ليست ببساطة "إنسان ضد آلة"، وإنما كيف يعيد الإنسان توزيع وقته بين المهام التي يمكن للآلة تنفيذها والمهام التي تحتاج إلى قدراته الخاصة؟
كيف تبدأ شركة صغيرة في تطبيق الذكاء الاصطناعي؟
لا تحتاج الشركة بالضرورة إلى تحويل جميع عملياتها دفعة واحدة.
يمكن اتباع خطة من خمس خطوات:
الخطوة الأولى: اختيار مهمة متكررة
ابدأ بمهمة تستهلك وقتًا واضحًا، مثل:
الرد على الأسئلة المتكررة.
إعداد التقارير.
تصنيف رسائل العملاء.
إدخال البيانات.
تلخيص الاجتماعات.
الخطوة الثانية: قياس الوضع الحالي
قبل استخدام أي أداة، سجل مؤشرات مثل:
عدد الساعات أسبوعيًا + عدد المعاملات + نسبة الأخطاء + تكلفة المهمة.
فإذا كانت الشركة تنفق مثلًا 20 ساعة أسبوعيًا على إعداد تقرير معين، فهذه هي نقطة البداية التي ستتم مقارنة النتائج بها.
الخطوة الثالثة: اختيار الأداة
يمكن استخدام نموذج ذكاء اصطناعي للمهام التي تحتاج إلى فهم أو توليد نصوص، بينما يمكن استخدام أدوات الأتمتة لربط التطبيقات وتشغيل الإجراءات المتكررة.
المهم هو اختيار الأداة بناءً على المشكلة، وليس اختيار المشكلة لمجرد امتلاك الأداة.
الخطوة الرابعة: اختبار صغير
بدلًا من تطبيق النظام على الشركة كلها، يمكن اختباره على قسم أو عملية واحدة لمدة محددة.
بعد ذلك تتم مقارنة النتائج بالمؤشرات القديمة.
الخطوة الخامسة: حساب العائد
يمكن استخدام معادلة بسيطة:
العائد من الأتمتة = الوقت أو التكلفة التي تم توفيرها − تكلفة الأداة والتطبيق والتدريب.
إذا لم ينتج النظام توفير حقيقي أو تحسين واضح في الجودة، فقد تحتاج الشركة إلى تعديل العملية بدلًا من توسيع استخدامها.
جدول عملي: من العمل اليدوي إلى الأتمتة الذكية
| المهمة | الطريقة التقليدية | الحل التقني المقترح | المؤشر الذي يتم قياسه |
|---|---|---|---|
| رسائل العملاء | قراءة وتصنيف يدوي | AI + أتمتة | زمن الاستجابة |
| التقارير | جمع البيانات يدويًا | قاعدة بيانات + AI | وقت إعداد التقرير |
| الاجتماعات | كتابة الملاحظات يدويًا | تفريغ وتلخيص بالذكاء الاصطناعي | وقت التوثيق |
| إدخال البيانات | نسخ ولصق | سير عمل آلي | عدد ساعات العمل |
| الأسئلة المتكررة | رد الموظف على كل رسالة | قاعدة معرفة + AI | عدد الطلبات التي تم التعامل معها |
أهم الأخطاء التي يجب تجنبها
رغم الإمكانات الكبيرة، هناك أخطاء قد تجعل مشروع الذكاء الاصطناعي غير مفيد.
أولًا: استخدام الذكاء الاصطناعي لمجرد أنه تقنية جديدة.
إذا كانت المهمة تستغرق دقيقتين ولا تسبب أي مشكلة، فقد لا تكون هناك حاجة إلى أتمتتها.
ثانيًا: عدم مراجعة النتائج.
يمكن لأنظمة الذكاء الاصطناعي إنتاج معلومات غير دقيقة، ولذلك يجب وجود آلية للتحقق، خصوصًا في القرارات المالية والقانونية والطبية وغيرها من المجالات الحساسة.
ثالثًا: تجاهل خصوصية البيانات.
لا ينبغي إدخال بيانات العملاء أو المعلومات السرية في أي أداة قبل معرفة كيفية التعامل معها وحمايتها.
رابعًا: عدم قياس النتائج.
عبارة "الأداة وفرت علينا وقتًا" ليست كافية. الأفضل تحديد عدد الساعات التي تم توفيرها، ونسبة الأخطاء قبل وبعد التطبيق، والتكلفة الإجمالية.
مستقبل العمل: تعاون الإنسان مع الذكاء الاصطناعي
تشير الاتجاهات الحالية إلى أن العلاقة بين الإنسان والآلة تتجه نحو مزيد من التعاون.
فالذكاء الاصطناعي يستطيع معالجة البيانات بسرعة، وتلخيص المعلومات، وتصنيف الطلبات، واقتراح حلول، بينما يظل الإنسان مسؤولًا عن الحكم النهائي، وفهم السياق، والتواصل، والإبداع، وتحمل المسؤولية.
ويشير المنتدى الاقتصادي العالمي إلى أن نسبة المهام التي يؤديها البشر وحدهم من المتوقع أن تنخفض بحلول 2030، مع ارتفاع دور التكنولوجيا والتعاون بين الإنسان والآلة.
وهذا يجعل امتلاك مهارات الذكاء الاصطناعي إضافة مهمة إلى المهارات المهنية، وليس بالضرورة بديلًا عنها.
الخلاصة
لم تعد ثورة الذكاء الاصطناعي والأتمتة مجرد فكرة مستقبلية، بل أصبحت واقعًا يمكن قياس تأثيره داخل أماكن العمل.
والدليل ليس فقط في انتشار الأدوات؛ فهناك دراسات ميدانية أظهرت بالفعل تحسنًا في الإنتاجية في بعض بيئات العمل، كما تشير تقارير سوق العمل إلى تغير كبير في المهارات والوظائف خلال السنوات القادمة.
لكن الاستفادة الحقيقية لا تأتي من استخدام أكبر عدد ممكن من أدوات الذكاء الاصطناعي، وإنما من اختيار المشكلة الصحيحة، واستخدام الأداة المناسبة، وقياس النتيجة بالأرقام.
وبالنسبة للشركات والأفراد، قد تكون أفضل استراتيجية للمستقبل هي تعلم كيفية العمل مع الذكاء الاصطناعي بدلًا من التعامل معه باعتباره مجرد منافس.
ففي النهاية، التكنولوجيا لا تحقق الإنتاجية بمفردها؛ الطريقة التي يستخدم بها الإنسان التكنولوجيا هي التي تحدد قيمتها الحقيقية.
تابع جديد Mazen Mohamed
اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.
الإبلاغ عن المقال
لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.
تعذّر إرسال البلاغ الآن. حاول مرة أخرى لاحقًا.
سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش
التعليقات (0)
فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق