مواقع التواصل الاجتماعي: قوة رقمية تغيّر حياتنا بين الفرص والمخاطر

مواقع التواصل الاجتماعي: قوة رقمية تغيّر حياتنا بين الفرص والمخاطر

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات
image about مواقع التواصل الاجتماعي: قوة رقمية تغيّر حياتنا بين الفرص والمخاطر

مواقع التواصل الاجتماعي: قوة رقمية تغيّر حياتنا بين الفرص والمخاطر.

لم تعد مواقع التواصل الاجتماعي مجرد تطبيقات نستخدمها للتحدث مع الأصدقاء أو نشر الصور، بل تحولت إلى قوة رقمية تؤثر في طريقة حصولنا على الأخبار، وتعلمنا، وتسوقنا، وعملنا، وحتى في طريقة تكوين آرائنا عن العالم. وتشير أحدث بيانات Digital 2026 إلى وجود نحو 5.79 مليار هوية مستخدم نشطة لوسائل التواصل الاجتماعي عالميًا في أبريل 2026، أي ما يعادل 69.9% من سكان العالم، مع زيادة قدرها 294 مليون هوية خلال عام واحد. ومع ذلك، توضح البيانات أن هذا الرقم يمثل "هويات مستخدمين" وليس بالضرورة عدد الأشخاص الفريدين، لأن الشخص الواحد قد يمتلك أكثر من حساب.

من وسيلة للتواصل إلى مصدر للمعلومات

أحد أكبر التحولات التي أحدثتها مواقع التواصل هو انتقالها من كونها وسيلة للتواصل الشخصي إلى مصدر رئيسي للمعلومات والأخبار. ففي دراسة لمركز Pew Research Center نُشرت في سبتمبر 2025، قال 53% من البالغين في الولايات المتحدة إنهم يحصلون على الأخبار من مواقع التواصل الاجتماعي أحيانًا على الأقل. وبلغت النسبة 38% لفيسبوك و35% ليوتيوب و20% لكل من إنستجرام وتيك توك بين البالغين الأمريكيين الذين يستخدمون هذه المنصات.

هذه الأرقام تكشف جانبًا مهمًا: المستخدم لم يعد يذهب إلى موقع إخباري فقط ليبحث عن الخبر، بل قد يظهر الخبر أمامه أثناء تصفحه لمحتوى آخر.

وهنا تظهر المشكلة في الوقت نفسه؛ فسرعة انتشار المعلومة لا تعني صحتها. لذلك، إذا ظهر أمام المستخدم خبر مثير مثل إعلان عن قرار حكومي أو معلومة صحية، فمن الأفضل ألا يكتفي بالفيديو أو المنشور، بل يبحث عن المصدر الأصلي ويتأكد من تاريخ النشر ويقارن المعلومة بمصدر موثوق آخر.

فرص حقيقية للتعلم والعمل

لا يمكن اختزال مواقع التواصل في الترفيه. بالنسبة لشخص يمتلك مهارة معينة، يمكن أن تتحول المنصة إلى واجهة لعرض أعماله والوصول إلى عملاء محتملين.

على سبيل المثال، يستطيع المصمم نشر نماذج من تصميماته، ويمكن للمصور عرض أعماله، بينما يستطيع المبرمج أو الكاتب نشر محتوى يشرح خبرته. ومع الاستمرار، يصبح الحساب أشبه بملف أعمال مفتوح أمام الجمهور.

كما أن المنصات التعليمية جعلت الوصول إلى المعرفة أسهل. فبدلًا من استخدام مواقع التواصل لساعات في مشاهدة محتوى عشوائي، يمكن للمستخدم تخصيص حسابه لمتابعة قنوات تعليمية في مجال محدد، مثل اللغة الإنجليزية أو البرمجة أو التسويق أو التصميم.

وهنا يكمن الفرق بين الاستخدام الاستهلاكي والاستخدام الإنتاجي: الأول يجعل المستخدم يمرر المحتوى بلا هدف، بينما الثاني يجعله يستخدم المنصة للحصول على مهارة أو بناء علاقات مهنية أو تسويق عمل.

المشكلة ليست في عدد الساعات فقط

من السهل القول إن "مواقع التواصل تضيّع الوقت"، لكن المشكلة أكثر تعقيدًا من ذلك. فهناك فرق بين شخص يستخدم الهاتف ساعتين يوميًا للتعلم والعمل والتواصل، وشخص يستخدم الساعتين في تصفح محتوى عشوائي دون هدف.

وتشير منظمة الصحة العالمية في أوروبا إلى ارتفاع نسبة المراهقين الذين ظهرت لديهم علامات الاستخدام الإشكالي لوسائل التواصل من 7% عام 2018 إلى 11% عام 2022، بناءً على دراسة شملت قرابة 280 ألف شاب تتراوح أعمارهم بين 11 و15 عامًا في 44 دولة ومنطقة. ووصفت المنظمة الاستخدام الإشكالي بأنه يتضمن صعوبة السيطرة على الاستخدام وترك الأنشطة الأخرى بسببه وظهور نتائج سلبية في الحياة اليومية.

وهذا يعني أن القضية ليست مجرد "استخدام الهاتف كثيرًا"، وإنما تصبح أكثر خطورة عندما يفقد الشخص القدرة على التحكم في استخدامه ويبدأ ذلك في التأثير على نومه أو دراسته أو عمله أو علاقاته.

كيف تستخدم مواقع التواصل بطريقة أكثر ذكاءً؟

يمكن تحويل الاستخدام من عادة عشوائية إلى أداة مفيدة من خلال خطوات بسيطة.

أولًا، حدد هدف الحساب. إذا كان الهدف هو التعلم، فاجعل معظم الحسابات التي تتابعها مرتبطة بالمجال الذي تريد تطويره.

ثانيًا، راقب الوقت الذي تقضيه على كل تطبيق لمدة أسبوع. قد يكتشف المستخدم أنه لا يقضي عشرين دقيقة كما يعتقد، وإنما ساعات متفرقة خلال اليوم.

ثالثًا، أوقف الإشعارات غير الضرورية. فالإشعار المتكرر يمكن أن يدفع المستخدم إلى فتح التطبيق دون وجود سبب حقيقي.

رابعًا، لا تتعامل مع المنشور المنتشر باعتباره حقيقة. ابحث عن المصدر الأصلي، واقرأ تاريخ الخبر، وتأكد من أن العنوان يعكس محتوى الخبر فعلًا.

خامسًا، اجعل جزءًا من وقتك على المنصة إنتاجيًا. بدل مشاهدة عشرات المقاطع فقط، حاول أن تنشر شيئًا مفيدًا، أو تتعلم مهارة، أو تبني ملف أعمالك.

هل مواقع التواصل ضارة أم مفيدة؟

الإجابة ليست "نعم" أو "لا". فالأبحاث نفسها تشير إلى وجود فرص ومخاطر، وأن التأثير يمكن أن يختلف حسب الشخص وطريقة الاستخدام ونوع المحتوى وتصميم المنصة. وتوضح مراجعة بحثية شاملة نُشرت عام 2024 أن تأثير استخدام وسائل التواصل على المراهقين يرتبط بعوامل متعددة، منها خصائص المستخدم ونمط الاستخدام وتصميم المنصة.

لذلك، من الخطأ اعتبار كل استخدام لوسائل التواصل ضارًا، كما أنه من الخطأ اعتبار كل ما تقدمه مفيدًا. المنصة في النهاية أداة، وقيمتها تعتمد بدرجة كبيرة على الطريقة التي يستخدمها بها الشخص.

الخلاصة

أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي جزءًا أساسيًا من الحياة الرقمية الحديثة، والأرقام العالمية تؤكد أن انتشارها ما زال في ازدياد. لكن امتلاك حساب على منصة اجتماعية لا يعني بالضرورة الاستفادة منها.

القيمة الحقيقية تبدأ عندما ينتقل المستخدم من مجرد استهلاك المحتوى إلى اختيار المحتوى وصناعة القيمة. يمكن أن يكون الهاتف وسيلة لإضاعة ساعات طويلة، ويمكن في الوقت نفسه أن يكون وسيلة لتعلم مهارة، والوصول إلى عميل، وبناء مشروع، ومتابعة الأخبار.

ولهذا فإن السؤال الأهم ليس: "هل مواقع التواصل الاجتماعي جيدة أم سيئة؟"، بل: ماذا أفعل أنا بالوقت الذي أقضيه عليها؟

فإذا كان استخدامك يمنحك معرفة أو مهارة أو فرصة أو تواصلًا حقيقيًا، فأنت تستفيد من التكنولوجيا. أما إذا وجدت نفسك تفتح التطبيقات دون هدف وتستمر في التصفح رغم رغبتك في التوقف، فهنا يجب إعادة النظر في طريقة الاستخدام قبل أن يتحول التطبيق من أداة في يدك إلى عادة تتحكم في وقتك.

 

التعليقات ( 0 )

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق

مقال بواسطة
Anas Elmatry تقييم 0 من 5.
المقالات

2

متابعهم

0

متابعهم

1

مقالات مشابة
-