خلف الشاشات الزجاجية: كيف تحولت "اللايك" من تسلية إلى محرك يدير العالم؟

خلف الشاشات الزجاجية: كيف تحولت "اللايك" من تسلية إلى محرك يدير العالم؟
تخيل أنك تستيقظ في الصباح، وقبل أن تفتح عينيك بالكامل، تمتد يدك تلقائياً نحو الهاتف. تفتح تطبيق "إنستغرام" أو "تيك توك"، وتبدأ أصابعك في التمرير اللانهائي (Scroll). في هذه اللحظة بالذات، أنت لا تتصفح تطبيقاً، بل تدخل إلى أكبر ساحة تجمع بشري في تاريخ كوكب الأرض.
مواقع التواصل الاجتماعي لم تعد مجرد "برامج" ندردش عليها؛ لقد تحولت إلى الأكسجين الرقمي الذي نتنفسه، ومسرحاً تُصنع فيه الثروات، وتُهدم فيه الإمبراطوريات، وتتغير فيه حياة البشر بين ليلة وضحاها.
السحر والجنون: عندما تصنع "اللايك" معجزة
السر في جاذبية هذه المواقع هو أنها منحت "الميكروفون" للجميع. في الماضي، كان عليك أن تكون نِجماً سينمائياً أو سياسياً مرموقاً لتستمع إليك الملايين. اليوم، فتاة في غرفتها البسيطة تصنع فيديو مدته 15 ثانية، لتستيقظ في اليوم التالي وتجد أن نصف سكان الأرض يعرفونها!
خذ مثلاً قصة الشاب خابي لام (Khaby Lame)، ذلك العامل البسيط الذي فقد وظيفته في إيطاليا أثناء الجائحة. لم يكن يملك سوى هاتف قديم وتعبيرات وجه ساخرة صامتة ينتقد فيها الفيديوهات المعقدة. هذا الشاب، بدون أن ينطق بكلمة واحدة، تحول إلى الشخص الأكثر متابعة على تيك توك، وتتهافت عليه كبرى شركات الأزياء في العالم ليدير مبيعاتها بملايين الدولارات. هذا ليس مجرد تطبيق، هذا "قطار تغيير الحياة السريع".
تجارة المليارات.. هل أنت المستهلك أم السلعة؟
هناك مقولة شهيرة في عالم التكنولوجيا تقول: "إذا كنت لا تدفع ثمن البضاعة، فأنت البضاعة!".عندما تتصفح "فيسبوك" أو "إكس" مجاناً، فإن العملة الحقيقية التي تدفعها هي انتباهك ووقتك. خوارزميات هذه المواقع مصممة بذكاء مرعب يشبه آلات القمار في كازينوهات المحيط. تدرس نبضات قلبك الرقمية: ما الذي يجعلك تتوقف؟ ما الذي يغضبك؟ ما الذي يضحكك؟إذا توقفت لمدة 5 ثوانٍ إضافية لتتأمل حذاءً رياضياً، ستجد في اليوم التالي أن الحذاء يطاردك في كل مكان؛ في إعلانات جوجل، وفي ستوري إنستغرام، وكأنه يهمس في أذنك: "اشترني!". هذا الترابط العجيب تحول إلى "بيزنس" يدر مليارات الدولارات يومياً للمعلنين وصناع المحتوى والشركات الناشئة.
الوجه المظلم للمدينة الفاضلة
رغم كل هذا البريق، فإن مواقع التواصل الاجتماعي تشبه "المدينة الساحرة" التي تخفي في أزقتها المظلمة وحوشاً.أكبر هذه الوحوش هو "فخ المقارنة". نحن نرى على إنستغرام لقطات ممنتجة بعناية: أشخاص يسافرون في طائرات خاصة، وجبات طعام مرسومة كلوحات فنية، ووجوه خالية من العيوب بفضل "الفلاتر". ننسى أن هذه مجرد "أفضل دقيقة في يومهم"، ونبدأ في مقارنتها بـ "يومنا العادي المليء بالتعب والمشاكل"، مما يورث شعوراً بالاحباط والقلق الدائم.بالإضافة إلى "وهم التواصل". فنحن نملك آلاف "الأصدقاء" على الشاشة، لكننا قد نشعر بالوحدة القاتلة في غرفنا. نتحدث برمز تعبيري (emoji) يضحك، بينما وجوهنا الحقيقية جامدة وخالية من أي تعبير.
كلمة أخيرة: كيف تمسك بزمام الأمور؟
وسائل التواصل الاجتماعي ليست شراً مطلقاً وليست خيراً مطلقاً، هي أشبه بـ "السكين"؛ يمكن للطباخ أن يصنع بها وجبة شهيرة، ويمكن للمجرم أن يؤذي بها نفسه والآخرين.يمكنك استخدامها لتتعلم مهارة جديدة كـ "تعديل الصور"، لتبني مشروعك الخاص، أو لتصل لعملائك بالدولار في كل بقاع الأرض. ويمكنك أن تترك لها القيادة لتسرق عمرك ووقتك وطاقتك.الشاشة أمامك، والزر تحت إصبعك... الخيار لك دائماً في أن تكون "المُتحكِّم" أو "المُتحكَّم به".